الجاحظ

252

البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )

كان التدبير في أسماء الخطباء وحالاتهم وأوصافهم أن نذكر أسماء أهل الجاهلية على مراتبهم ، وأسماء أهل الإسلام على منازلهم ، ونجعل لكلّ قبيلة منهم خطباء ، ونقسم أمورهم بابا بابا على حدته ، ونقدّم من قدمه اللّه ورسوله عليه السلام في النسب ، وفضله في الحسب . ولكني لما عجزت عن نظمه وتنضيده ، تكلفت ذكرهم في الجملة . واللّه المستعان ، وبه التوفيق ، ولا حول ولا قوة إلا به . [ الفضل الرقاشي ] كان الفضل بن عيسى الرقاشي من أخطب الناس ، وكان متكلما قاصا مجيدا ، وكان يجلس إليه عمرو بن عبيد ، وهشام بن حسان ، وأبان بن أبي عياش ، وكثير من الفقهاء . وهو رئيس الفضيلة ، وإليه ينسبون . وخطب إليه ابنته سوادة بنت الفضل ، سليمان بن طرخان التيمي ، فزوّجه فولدت له المعتمر ابن سليمان . وكان سليمان مباينا للفضل في المقالة ، فلما ماتت سوادة شهد الجنازة المعتمر وأبوه ، فقدّما الفضل . وكان الفضل لا يركب إلا الحمير ، فقال له عيسى بن حاضر : إنك لتؤثر الحمير على جميع المركوب ، فلم ذلك ؟ قال : لما فيها من المرافق والمنافع . قلت : مثل أي شيء ؟ قال : لا تستبدل بالمكان على قدر اختلاف الزمان ، ثم هي أقلها داء وأيسرها دواء ، وأسلم صريعا ، وأكثر تصريفا ، وأسهل مرتقى وأخفض مهوى ، وأقل جماحا ، وأشهر فارها ، وأقل نظيرا ، يزهى راكبه وقد تواضع بركوبه ، ويكون مقتصدا وقد أسرف في ثمنه . قال : ونظر يوما إلى حمار فاره تحت سلم بن قتيبة ، فقال : « قعدة نبيّ وبذلة جبار » . وقال عيسى بن حاضر : ذهب إلى حمار عزيز ، وإلى حمار المسيح ، وإلى حمار بلعم . وكان يقول : لو أراد أبو سيارة عميلة بن أعزل ، أن يدفع بالموسم على فرس عربي ، أو جمل مهريّ لفعل ، ولكنه ركب عيرا أربعين